علي بن أحمد المهائمي
216
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
كثيرا على قدر ما شرب ] . ثم أشار إلى أن الرؤيا كثيرا ما تكون على ما يعينه فيها بمساعدة الحق صاحبها ، وإن كان غير نبي وولي ، فما فعله إبراهيم عليه السّلام ( كما فعل بقي بن مخلد الإمام صاحب المسند ) في الحديث ، وذلك أنه ( سمع في الخبر الذي ثبت عنده ) بحسب اللفظ ، وإن لم يبلغ حقيقة معناه ( أنه عليه السّلام قال : « من رآني في النوم ؛ فقد رآني في اليقظة ، لا تلبس فيها من الشيطان ، فإن الشيطان لا يتمثل على صورتي » « 1 » ) . وإن كان قد يتمثل بصور أخرى ، ويزعم أنه النبي أو فلان ، ويلبس بذلك فيما يأمر وينهى ويخبر فظن أن المرئي على صورته عليه السّلام يكون عينها لأمثالها ، ويكون ما يرى في ذلك المنام عين الواقع لأمثاله ، ( فرآه ) أي : النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ( بقي بن مخلد وسقاه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الرؤيا لبنا ؛ فصدق بقي بن مخلد رؤياه ) أنه صلّى اللّه عليه وسلّم عين اللبن فساعده اللّه في هذا الاعتقاد ، وإن كان تعبير رؤياه عنده فلو عبره العلم فجعله لبنا في بطنه ، ( فاستقاء ) اختبارا لصحة الحديث بحسب ما فهم منه ( فقاء لبنا ، ولو عبر رؤياه ) بالعلم الذي هو غذاء الروح كاللبن للجسم ، ( لكان ذلك اللبن ) المرئي في المنام ( علما ) له في الواقع بقدر ما شربه ، فلما لم يعبره فاته ذلك العلم ( فحرمه اللّه علما كثيرا ) كان يحصل له لو عبر رؤياه ( على قدر ما شرب ) من اللبن . [ ألا ترى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أتي في المنام بقدح لبن قال : « فشربته حتى خرج الرّيّ من أظافيري ثمّ أعطيت فضلي عمر » « 2 » قيل ما أوّلته يا رسول اللّه ؟ قال العلم ، وما تركه لبنا على صورة ما رآه لعلمه بموطن الرّؤيا ، وما يقتضي من التّعبير ، وقد علم أنّ صورة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الّتي شاهدها الحسّ إنّها في المدينة مدفونة ، وأن صورة روحه ولطيفته ما شاهدها أحد من أحد ولا من نفسه ، كلّ روح بهذه المثابة ، فتجسّد روح النّبي عليه السّلام بصورة جسده كما مات عليه لا يخرم المتجسّد منه شيئا ؛ فهو محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم المرئي من حيث روحه في صورة تشبه المدفونة ، لا يمكن للشّيطان أن يتصوّر بصورة جسده صلّى اللّه عليه وسلّم عصمة من اللّه تعالى في حقّ الرّائي ] . ثم أشار إلى أنه كيف فاته هذا التعبير ، وقد وقع فيما رآه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بنفسه ؛ فقال : ( ألا ترى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أتي في المنام بقدح لبن قال : فشربته ) فارتوى مني كل
--> ( 1 ) رواه أحمد في « المسند » ( 1 / 400 ) ، وابن ماجة ( 12 / 22 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 782 ) ، ( 1 / 43 ) .